الإسلاميون من الإقصاء إلى التمكين.. عوائق وواجبات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإسلاميون من الإقصاء إلى التمكين.. عوائق وواجبات

مُساهمة من طرف Eltyeb Elsadig في الإثنين فبراير 06, 2012 9:06 pm

عبدالعزيز مصطفى الشامي

عندما تُظلم حياة البشر، ويعاني الناس من ويلات الظلم والقهر، ويقاسون الهوان، لا يجدون النجاة في اتباع المناهج الأرضية، والأنظمة الوضعية، بل في الالتزام بالإسلام: عقيدةً وشريعةً ومنهج حياة، فالإسلام منهجٌ متكامل، شامل لكل جوانب الحياة، صالح لكل زمان ومكان، فمن ابتغى الهداية من نبعها الصافي، وسلك سبيلها في إخلاص واتباع، هداه الله، وإن من أطال التدبر في القرآن الكريم؛ يجد فيه النور والهداية، والمنهج القويم المنجّي من ظلمات الجهل والفتن.

إن القرآن الكريم كلام رب العالمين، أنزله بعلمه، ولم يدع شيئًا يُصلح أحوال البشر إلا وأخبرهم به، ليس ذلك فحسب، بل نهى ومنع كل ما يُفسد على الناس حياتهم، ويشيع أجواءً سيئةً فيما بينهم، وقد اعتنى القرآن الكريم في إصلاحه لأحوال البشرية بذكر أمهات القضايا، مع ضرب الأمثلة في ذلك، فإذا كان القرآن العظيم قد ذكر فرعون نموذجًا للحاكم الظالم المستبد، وذكر من ظلمه وسوء أفعاله، وتكبره وطغيانه، فإن من المعلوم أن هذا مجرد مثال، فقد لا يخلو قرن من القرون ولا زمان من الأزمنة من شبيه بفرعون، في أقواله وأفعاله، وتكبره وظلمه، فكل نموذج فاسد من حاكم ظالم فإمامه فرعون، وهو مشابه له متّبع لنهجه، ولذلك عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل قتيلاً يوم بدر، قال صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة، يعني أبا جهل»[1]، فكل حاكم ظالم، أو مستبد برأيه غاشم، فمثاله فرعون.

وكذلك قارون الذي طغى بماله، واغتر بكنوزه، ورأى أن النعم والأموال من عنده وبكسبه فقط، ولم ينسب الفضل لله، ولم يتق الله في ماله، فلم يصل فيه رحمه، ولم يعرف لله فيه حقه، ولم يعط منه الفقير والمسكين وابن السبيل.. فكل من اتخذ قارون أسوة فهو مثله، والقرآن إنما ذكر له قارون كمثال واحد، ولا يخلو زمان ولا قرن من القرون من أمثاله الذين لا حصر لهم ولا عدد، ممن جمعوا المال من أي سبيل وبخلوا به، ولذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل لتارك الصلاة إذا شغله عنها رئاسته وكبره وطغيانه بفرعون، ومن شغله عنها منصبه بهامان، وإذا شغله ماله بقارون، فقال صلى الله عليه وسلم: «من حافظ على الصلاة كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبى بن خلف»[2].

فالقرآن ذكر أصولاً عامة وقواعد كلية، وسننًا ربانية تتكرر إذا وُجدت مسبباتها، ومن يتدبر القرآن يجد فيه علاجًا لأمراض البشرية وأدوائها، وصدق الله إذ يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[3].

استضعاف الإسلاميين في بلادهم!!

ليس بمستغرَب أن يُحارَب الإنسان من قِبَل عدوه، ولكن الأعجب حقًّا، والظلم الأوقع في النفس، أن يكون العدو المتربص بنا من بني جلدتنا؛ ممن يتكلمون بألسنتنا، ممن خلَّفهم الاستعمار وربَّاهم ليكونوا هم عصاه الغليظة لضرب الحركة الإسلامية، وكبت الشعوب العربية، فقد ضاقت البلاد العربية على الإسلاميين، وتم إقصاؤهم لفترات طويلة عن صُنع القرار في بلادهم، وفيما يخصهم، وطُبّقت عليهم أحكام غير شريعة الإسلام، ومُنعوا من ممارسة كثير من العبادات، وحُرموا من حقوق شرعية كثيرة، ولم يكتفِ الفراعنة الجدد بذلك، بل ساموا كثيرًا منهم سوء العذاب، فكم قدم الإسلاميون من تضحيات! بين: سجن وقتل، ونفي في الأرض، وتشريد من عمل، وطرد من أرضهم.. ولم يكن هذا النوع من الإقصاء مقصورًا على أرض دون أرض أو بلد دون أخرى، بل شملت تلك السياسة معظم البلاد العربية.

وإن من أهم فوائد ما يسمى بالربيع العربي أنه أفرز حضورًا بالغًا للتيارات الإسلامية، وخاصة على مستوى نتائج الانتخابات التي أعقبت انتصارات الشعوب على أنظمة الجور والفساد والاستبداد، التي جثمت على صدورها قرابة نصف قرن من الزمان، وبمقدار ما يبعث هذا الحضور الإسلامي على الفرحة والسرور بتعبير الأمة عن هويتها، وتمسكها بعقيدتها، واختيارها للقوى الإسلامية كي تقود حياتها نحو إصلاح الأوطان؛ بقدر ما يلقي على كاهل تلك القوى الكثير من التبعات والتحديات.

ومن نعم الله وتوفيقه على هذه الأمة أن مكَّن لهؤلاء الضعاف، فصار الإسلاميون أغلبية في البرلمانات العربية في بلادهم بعد الثورات الشعبية، بل شكّلوا الحكومة المغربية، وساهموا بقدر كبير في الحكومة التونسية، والمجلس الانتقالي في ليبيا، وها هم في مصر على أعتاب مرحلة مهمة في تاريخ العمل السياسي.

التربية الشرعية بين الاستضعاف التمكين:

إن الواجب الشرعي يحتّم علينا أن نتدبر القرآن العظيم، في قصص الأنبياء بين الاستضعاف والتمكين، وكيف يخاطب القرآن الفئة المستضعفة ببث الأمل في النصر والتغيير، وعدم اليأس مهما اشتد الظلام وطالت فترات الأذى، قال الله تبارك وتعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [4].

والمتأمل في هذه الآية يجد أن نبي الله موسى عليه السلام يأمر قومه بالاستعانة بالله والصبر، فهما مفتاحا النصر الحقيقي على العدو، فإن الثبات على الحق نصرٌ، وإن الموت على الحق انتصارٌ، ويذكرهم في هذا السياق أن الأرض كلها لله، يجري فيها قدره، وينفذ فيها حكمه، وتمضي فيها مشيئته، فلا رادّ لحكمه ولا معقب لقضائه، وعندها اشتكى بنو إسرائيل مرارة الأذى فطمأنهم نبي الله وبثّ فيهم الأمل، وبشّرهم بالنصر والتمكين.

وهذه معالم تربية نبوية راشدة، تتلخص في الصبر عند البلاء، والشكر والعفو عند النصر، فعَنْ خَبَّابٍ رضي الله عنه، قَالَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرْ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ» [5].

يقول سيد قطب رحمه الله عند قوله جل شأنه {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [6]: « إنها رؤية «النبي» لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه. ولحقيقة الواقع الكوني والقوى التي تعمل فيه. ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون.. إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين. وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين. وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه. وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير.. وإن الأرض لله. وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها. والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين، إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها. إنها كلمات ذات ظل! وإنها لتشي بما وراءها من تبرم! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية!

ويمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض. مع التحذير من فتنة الاستخلاف. {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون}. إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله، تجري وفق وعده، للصابرين، وللجاحدين! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعاً إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد.. وهو يعلمهم -منذ البدء- أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم. ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه - كما زعموا - فلا يعذبهم بذنوبهم! وليس جزافاً بلا غاية. وليس خلوداً بلا توقيت. إنه استخلاف للامتحان: {فينظر كيف تعملون}.. وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون. ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان، ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم»[7].

بين عوائق الداخل وعقبات الخارج:

ولا شك أن الإسلاميين بعد وصولهم لدوائر صنع القرار في بعض الدول العربية أصبح أمامهم تحديات ومعوقات ضخمة، من أهم هذه المعوقات كما ذكرها الدكتور حامد العلي -الأمين العام السابق للجماعة السلفية بالكويت- الذي لخّص أهم التحديّات التي سيواجهها المشروع الإسلامي فـي سبع نقاط، وهي:

1- الضغوط الغربية التي سترهقه بالملاحقة، والانتقاد، والتهديد، بغيـة أن يتحوّل إلى مجرد امتداد لما مضى، ومجـرد آلة حكـم جديدة تحقق أهداف الغرب في المنطقة، ولكن بـ(ديكـور إسلامي) هذه المـرّة، لاسيما في القضايا الإستراتيجية، والملفات الكبرى، كالقضية الفلسطينية. أو تصيّد الغرب له، وتعقّـب كلّ ما سيفعل، وتضخيم أخطائه، ليثبت ما كان دائمًا يقوله: إسلامكم سبب تخلّفكم!

2- اتساع رقعة الفساد الذي خلفته الأنظمة السابقة، وهذا ما سيجعل مسئولية الإصلاح مرهقة، ومكلفـة، وتحتاج إلى زمن طويل، لتظهر نتائجها، ومن أعظم مظاهر الفساد تلك: ربط اقتصاد الدولة بمساعدات خارجية، تقف وراءها دول ذات مصالح، تتناقض وأهداف المشروع الإسلامي.

3- أنّ منافسيه الداخليين من العلمانييّن، وفلول الأنظمة السابقة، لن يدخروا أيّ فرصة للتخريب، وتحريض الغرب، والشعب عليه، وهم الذين لا يرقبون في الإسلاميين إلاَّ ولاَ ذمّة.

4- قلَّة الرموز التي تجمع بين الوعي السياسي المعاصر، والعمق في الفكر الإسلامي، والقدرة على إبداع الحلول العصرية.

5- قلة الدُّربة على إدارة الحكم، وسياسة الشعوب، لاسيما في ضوء شـدّة معاناة الشعوب في الحقبة الماضية، وعلى إثرِ تراكمات من فساد ضارب بجذوره في جميع مناحي الحياة!

6- إشعال الخلافات بين الأحزاب الإسلامية - الإسلامية، وذلك التناحر، الذي لم يزل هو السبب الرئيس في تقهقـر المشروع الإسلامي.

7- ذلك الارتباك الذي لا يزال في عقول كثير من أبناء المشروع الإسلامي - وهم القاعدة التي تشكل العمود الفقري لنجاحه في الانتخابات - في فهم العلاقة بين الفكر السياسي الإسلامي، ومبادئ إنسانية صحيحة توصل إليها الغرب بعد صراع طويـل، بسبب أنّ الغـرب يجعـل هذه المبادئ الحقـّة تحت اسم (الديمقراطية)، ويصـر أن يجعلها مقترنـة بديمقراطيته هو التي تعزز ثقافته فحسـب، لجعل ثقافته بديـلا، وفرضها على الشعوب في صـورة (احتلال ثقافي)!

وكذلك الارتباك وسوء الفهم للعلاقة بين المجتمع المطيع لوليّ الأمـر الحاكم الشريعة الإسلامية، وفكرة المجـتمع المدني، بمؤسساته التي تمتلك من وسائل التغيير الشعبية الواسعـة، ما يجعلها تزاحم السلطة الرسمية في القوة، بل تجعلها هي السلطـة.

وأيضًا في فهـم أنّ طبيعة المشروع الإسلامي في ضوء التعقيدات العصريـّة، تجعل من المستحيـل عليه أن يتوصل إلى أهدافه العليا إلاّ عبر مراحل، بما تقتضيه كلُّ مرحلة، من شعارات، ووسائل، وسياسات، تخصُّها، ليس فيها أنْ (نعطي الدنية في ديننا) - كما يظـنُّ الظـانّ كظنّ بعض الصحابة في الحديبية!- بل إحسان السياسة بحكمـة للتوصـُّل إلى تمكين ديننا، كما اهتدى إليه قائدُ هذه الأمّة العظيمة، في ذلك الموقف العظيـم.

ويؤكد الدكتور حامد العلي على أنه لا بد للتيار الإسلامي من اعتماد سياسة التمرحل، وجماعها سياسة التمرحل هذه يكون في: "تقديم المصالح الراجحة على المفسدة المرجوحة، ودفع الضرر الأكبر، ولو بارتكاب الأدنى، والتضحية بتأجيـل الجزئيات في سبيل تقديم تحقيق الكليـّات، والأهداف العظمـى"[8].

أول خطبة بعد التمكين:

بعدما مَنَّ الله على طائفة من الإسلاميين بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض، ينبغي لهم أن يعلموا أن الاستضعاف ابتلاء، والتمكين ابتلاء أشد، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[9]، وإن من أهم ما يجب على الإسلاميين بعد شكر الله تبارك وتعالى على نعمه وفضله، أن يبعثوا برسالة طمأنة لكل الشعوب العربية، ويبثوا في نفوس الشعوب ثقافة الأمن والاطمئنان، ونزع الفزع والتخويف الذي حاولت الأنظمة البالية غرسه في نفوس الشعوب تجاه الإسلاميين على مدار عقود سابقة، وعلى الإسلاميين إزالة تلك الصورة التي حرص مخالفوهم من الأنظمة والحكومات والعلمانيين والليبراليين على غرسها فيهم عبر استخدامهم كفزاعة للداخل والخارج.

فإذا صار الإسلاميون في سُدّة القرار، وشاركوا في الحكومات، والمجالس النيابية، فعليهم أن يبعثوا رسالة اطمئنان إلى شعوبهم، وهذا ما نستلهمه من المنهج النبوي العظيم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ قَالَ: لَمَّا أَنْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ، وَانْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، فَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلاَمَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ»[10].

ونأخذ من هذا الحديث درسين شرعيين فقط، أولها: أن الصدق مفتاح للقلوب.. فالإسلاميون يجب أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، فلما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة والأنظار عليه مسلطة، والجميع يحفّ به، جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه -وكان يهوديًّا- مع الناس ليراه ويسمع منه، فأول ما ظهر له أن وجهه وجه صادق صلى الله عليه وسلم، غير متلون، فأسلم وحسُن إسلامه، وكذا على الإسلاميين أن يكونوا أهل صدق، فلا يخادعون الناس، ولا يظهرون خلاف ما يكتمون.

ثانيها: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وهذا المعنى نستلهمه من كونه صلى الله عليه وسلم كان راكبًا على ناقته، والكل محيط به، وقد انتقل من مكة حيث الاستضعاف، إلى المدينة بلد التمكين، والكل يناديه ويدعوه أن ينزل في جواره؛ حيث العز والمَنَعَة والسلاح والعشيرة، وهنا لم يبادر صلى الله عليه وسلم إلى التحذير والتخويف والزجر، بل أرسل رسالة سلام، فقال: يا أيها الناس، ولم يخص المسلمين بالنداء، ولم يوجه نداءه للمهاجرين أو الأنصار، بل نادى على الحضور بـ«يا أيها الناس» لتعم المسلم والمشرك واليهودي، ثم حثهم على فضائل عامة لا ينكرها ذو عقل رشيد؛ أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.

إن على الإسلاميين الذين وصلوا إلى مراكز صنع القرار أن يهتموا بما يشغل الناس، من قضايا العاجلة كتوفير الأمن، وحاجات الناس الضرورية، والتعليم، والصحة، فهو واجب الوقت، فالجائع والخائف والمريض والجاهل لا يستطيع أداء العبادات الشرعية المفروضة، فضلاً عن الحدود الربانية، وعليهم كذلك أن يتدرجوا بالناس، فالتدرج سُنة طيبة في تطبيق الشرع على من يجهله أو يعاديه، أو تم تصويره له بصورة منكرة.

وها هي صورة عظيمة من صور التدرج في التاريخ الإسلامي، فهذا عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- ترك بعض مظالم بني أمية التي عجز عنها، ولم يبادر بتغييرها مرة واحدة؛ لئلا ينفر الناس، وهذا مع قربهم بالقرون الخيّرة الأولى من التابعين وأتباعهم، فما بالنا بأحوالنا وزماننا.

ذكر ابن عبد الحكم أنه: «لما ولي عمر بن عبد العزيز قال له ابنه عبد الملك: إني لأراك يا أبتاه قد أخَّرت أمورًا كثيرة كنت أحسبك لو وليت ساعة من النهار عجلتها، ولوددت أنك قد فعلت ذلك ولو فارت بي وبك القدور، قال له عمر أي بني، إنك على حسن قسم الله لك، وفيك بعض رأي أهل الحداثة، والله ما أستطيع أن أخرج لهم شيئًا من الدين إلا ومعه طرف من الدنيا، أستلين به قلوبهم، خوفًا أن ينخرق علي منهم ما لا طاقة لي به»[11].

وعند الشاطبي في الموافقات: «وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: ما لك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. قال له عمر: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة»[12].

قال الشيخ إبراهيم السكران: « نحن نرى عمر بن عبد العزيز شارك في النظام السياسي الأموي، وهو نظام متغلب، وجرى فيه مظالم معروفة في الدماء والأموال، ومع ذلك لم يقم عمر بن عبد العزيز بتطبيق الشريعة كاملة، بل طبق منها ما يستطيع، وترك أمورًا من الشريعة عجز عنها، كما كشفه الحوار الذي دار في منزل عمر»[13].

واجبات شرعية بعد التمكين:

إضافة إلى ما سبق من الصدق والتدرج، والاهتمام بالقضايا الضرورة والملحة للشعوب العربية والإسلامية، فإنه يجب على الإسلاميين أن يحرصوا على تربية الأمة وسياستها سياسة شرعية، وإعداد خطة جيدة لإصلاح مجتمعاتهم على أن تجمع بين الفقه السديد والتدرج القائم على مراعاة الأصلح والأنفع للناس في دينهم ودنياهم، ومن أهم أسس وقواعد هذه الخطة ما يلي:

أولاً: أن يبدأ الإسلاميون بأنفسهم بإصلاح النفس أولاً، ثم إصلاح الآخرين والمجتمع، وهذا معناه: تربية النفس والمجتمع على الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والتجرد من الهوى، والأطماع العاجلة الفانية، والعادات الجاهلية، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والسير على قواعد الدين وثوابته.

ثانيًا: بناء مجتمع الدولة قبل إيجاد دولة المجتمع، وهذا هو المناسب لظروفنا التي تمر بها أمتنا اليوم، وإلا فقد يكون السعي في الأمرين جميعًا هو المتعين، وقد يكون بناء المجتمع بعد وجود الدولة لا قبلها، كما حصل في الفتوحات الإسلامية، فقد كانوا يفتحون البلد، ويحكمونها بالمنهج الإسلامي، وأهلها غالبهم ليسوا مسلمين، ثم يدخلون في الدين بعد ذلك شيئًا فشيئًا، أما ظروف أمتنا اليوم فالمناسب لها الأمر الأول؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد عُرِض عليه في بداية الدعوة أن يكون الحاكم في قريش، ويعقدوا له ألويتهم، فلا يقطعوا في أمر دونه، لكنه أبى ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن المجتمع غير مهيأ لقبول تعليماته، ولأنه سيختلف مع أقرب الناس إليه إذا أمرهم بخلاف عاداتهم؛ ولأن أتباعه ستتنازعهم أهواؤهم والجاهلية، فيفتك بعضهم ببعض.

كل هذا جعل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصبر على الدعوة والتربية، حتى هيَّأ مجتمعًا يقبل دعوته، فلما نزل الأمر بالحجاب في آخر الليل؛ جاء النساء عند الفجر وهن محجبات، دون تلعثم أو حنين لجاهلية، ولما نزل تحريم الخمر؛ ردَّ بعضهم كأس الخمر من على فيه، ورمى بالجرار والأواني التي ينتبذون فيها الخمر في الشوارع، ولما شُرِعت الهجرة، تركوا أوطانهم، ورضوا بالغُرْبة في الحبشة والمدينة من أجل الدين، ولما شُرع الجهاد لم يكن همهم جمع الغنائم، أو الانتقام لقبائلهم، بل كانوا يوالون أهل دينهم، وإن كانوا من أعدائهم في الجاهلية، ويتبرءون ممن صدَّ عن دين الله، وإن كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، فالواجب أولاً تربية المجتمع على الامتثال لحكم الله ورسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبل أن تُفرض عليهم هذه الأحكام بالسيف، فينشأ فيهم النفاق، والعياذ بالله، هذا، مع عدم إغفال كل ما يصلح للعباد في دنياهم، فإن ديننا منهج لعمارة الدنيا، والسعادة في الدارين.

وليس معنى ذلك: أن نقول: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فلله عز وجل الأمر كله من قبل ومن بعد، بل نسعى بقدر استطاعتنا إلى تحكيم شرع الله وترسيخه، ونسلك كل طريق يوصلنا إلى ذلك، وما عجزنا عنه فلن يطالبنا الله به، لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل، وجهاد تربوي شاق، أما أن يقال: نحن ندعوا إلى الدولة المدنية لا الإسلامية، أو ندعوا إلى ترسيخ الديمقراطية لا الشريعة الإسلامية، أو أن الولاء والبراء من أجل العقيدة وأحكامها المفصّلة أصبح نسيًا منسيًَّا، وإنما كان هذا في فترة من الفترات من القرون الخالية ..... إلى غير ذلك من التنازلات؛ فهذا مما يصادم الدين، وإن كانت نوايا بعض من يقول ذلك حسنة، وسرائرهم منطوية على حب الإسلام وعقيدته، إلا أن هذا الطرْح المجرد من القيود والضوابط، سيربِّي رجالاً ونساءً يسيرون بلا قيود.

ثالثًا: لا يهمنا مَن يحكم من الإسلاميين نحن أم غيرنا، وإنما الذي يهمنا أن يكون الحكم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونطيع من يحكمنا بذلك، وإن كان عبدًا حبشيًّا، كأن رأسه زبيبة، فإن كان عدلاً؛ كنا معه على كل حال، وإن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا؛ أطعناه في الصالح دون الفاسد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع نصحه بالتي هي أحسن.

رابعًا: نعلم أننا في زمن لا نستطيع أن نحقق فيه – بوضعنا الحالي- كل ما نعلمه من ديننا، وإذا كان كذلك فعند تزاحم المصالح والمفاسد: ننظر إلى خير الخيرين فنتبعه، وإلى شر الشرين فنجتنبه، ونقيم علاقاتنا مع الدول والشعوب المسلمة وغيرها على هذا الأساس، مع السعي لنشر التوحيد والاتباع، وتربية الأجيال على ذلك، ونشْر قواعد الدين، وثوابته، وأحكامه، ونفرّق بين الأصول والفروع، والثوابت والمتغيرات، وندرك أن التعامل مع العالم يقوم على المصالح المشتركة، ولنا نظرتنا في المتغيرات والمستجدات، فلسنا ممن يشكك في كل جديد، ولا ممن ينخدع وينبهر بكل جديد، بل نُرْجِع ذلك إلى قواعد علمية أصيلة، فكل ما خالف نصًَّا شرعيًّا محكمًا؛ فمردود وإن تشدق به المتشدقون، وكل ما سكت عنه الشرع، وكان فيه مصلحة – بتقدير أهل العلم والخبرة- فمقبول، فضلاً عما وافق الشرع[14].

ضوابط مهمة في الولاء والبراء:

كلما وصل فصيل إسلامي إلى السلطة، سارع أعداء الداخل والخارج بإشعال الخلافات الإسلامية الإسلامية، بين الأشقاء في العمل الإسلامي، ويسعون لإيغار الصدور بنشر فتاوى عن تنازلات الطرف الفلاني، وكيف أن جماعة كذا عندها نقص في كذا وكذا، حتى يصير الصفّ الإسلامي يموج بالخلافات والاختلافات، والتطاحن والتعارك والتفرق، بدلاً من التعاون والمحبة والتعاضد والتناصر.

والكل في ذلك يزعم أنه يعمل بقاعدة الولاء والبراء، ولا شك أن الولاء يكون كاملاً ويكون أجزاء، فالولاء الكامل لا يكون إلا للأنبياء والرسل والصحابة والصديقين والصالحين، والبراء التام يكون من المنافقين والكفار وأعداء الإسلام الذين يكيدون للإسلام ويحاربونه ليل نهار، ويعلنون عداءهم، أما المسلمين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا فهؤلاء لا بد أن يتبعض في حقهم الولاء والبراء؛ لأن الولاء ناتج عما يقوم به الإنسان من طاعات وبر، والبراء والذم سبب لما يقوم به الإنسان من سيئات وفجور.

وإن أهل السنة يقررون أنه يجتمع في الرجل طاعة ومعصية، وبرٌ وفجور، وحسنة وسيئة. وفي مقابل ذلك يجتمع فيه مدح وذم، ويجتمع فيه محبة وبغض ونصرة وعقوبة.

والرجل يُنظر إليه من عدة جهات كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قال: «كاللص الفقير تُقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال لسدّ حاجته، فبينما نحن نقطع يده؛ لأنه يسرق، بينما نحن نعطف عليه ونرحمه ونعطيه من زكاة المسلمين لسد حاجته»[15].

أما أن يوالي الإنسان شخصًا ولاءً تامًّا أو يعاديه عداءً تامًّا، فهذا لا يكون في حق من يخلط الحسنة والسيئة، وقد تجد في هذه الأزمان بعض الناس يختلف مع جاره أو أخيه، ثم يهجره هجرًا تامًّا، فيموت عند جاره الميت ويمرض الجار، ويعافى من المرض، ويسافر ويعود من السفر، وتحدث له مناسبات وأزمات، وهذا يتقرب إلى الله ببغضه، وكذا أخوه المسلم في الحركة الأخرى أو في الحزب الآخر، فإن سألته: هذا الذي تقاطعه مسلم؟ يقول: نعم. وعنده من أعمال البر؟ نعم، فأين ولاؤك له في حدود ما عنده من الخير؟!!

لا بد من تبعض الولاء والبراء بين المسلمين وبين العاملين في الأحزاب والحركات الإسلامية، ولا بد من معرفة ما عند الرجل والجماعة من جوانب حميدة، فيُعانون عليها، وما عندهم من جوانب أخرى فيناصحون فيها، وموقف أهل الحق الذين هم أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق: قائم بين المناصحة والمناصرة، نناصح المخالف إن أخطأ، ونناصره إن أصاب، وقد أختلف مع من أوافقه، وقد أتوافق مع من أختلف معه، رجلٌ بيني وبينه خصومة شرعية كأن يكون على بدعة من البدع، ولكنه في بلده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قام يدعو إلى عدم دخول الخمر في بلاده، أو غير ذلك من المنكرات، فهل أقول: لا أتعامل معه؟!! لا، بل عليَّ أن أتعامل معه في منع الخمر، أما في بدعته فلا أتعاون معه فيها، وهذا ظاهر في هدي السلف.

بعض الإسلاميين يعتقد أن منهج السلف هو مجرد كلمة أخذها عن العالم الفلاني، ثم لا يفهم من ذلك إلا هجر أهل البدع وهجر المخالف، وما هذا إلا جزء من منهج السلف، وليس هو كل منهج السلف، ومما جاء في كتب التراجم أن سفيان الثوري سئل عن ثور بن يزيد الكلاعي، وهو رجل ثقة في الحديث لكنه رُمي بالقدر، فعنده بدعة خطيرة وهي بدعة القدرية. فقال: «خذوا عن ثور، واتقوا قرنيه»[16]، أي خذوا عنه الحديث، واتقوا بدعته لا ينطحكم بها. وهذا منهج يعلمنا العدل مع الناس، فقد أستفيد من ليبرالي أو علماني في فكر أو ثقافة أو عرض أو حوار، فأحترم فيه ما يخرج منه صوابًا صحيحًا بميزان الشرع، ولا أقبل منه ما يخالف الشرع المعظم. وهكذا ميزان العدل أن كلّ أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

وهذا يمثل منهجًا عند أهل السنة: أن تأخذ الحق من المخالف، والباطل ترده عليه، وكثير مثلها من قواعد أهل الكتاب والسنة مع الاعتصام بالكتاب والسنة، والتعاون مع المخالف فيما فيه حق، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «شهدت مع عمومتي حلفًا في الجاهلية، لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت، وما أحب أن لي به كذا وكذا، وأني أنكثه»[17].

وهذا العهد كان مع المشركين، فكيف مع أعداء الإسلام الآن في زماننا هذا، ترى بعض إخواننا له وجهة نظر مثلاً في العمل السياسي، أنا أحد أمرين إما أن أوافقه فأناصره، وإما ألا أوافقه، فابتداءً أنا أحتفظ برأيي ولا أذهب، وأتقرب إلى الله بالتحذير منه دون بقية المرشحين من العلمانيين والليبراليين وغيرهم، وأرى بالذات أن هذا هو الذي يجب التحذير منه وهذا ما ينبغي، وإذا كنت أنا لا أرى هذا الشيء ولا أشارك فلا أشارك، أما أني أحذر من فلان أو غير ذلك، فهذا ليس هو المنهج الصحيح، ولا ينبغي لهذا أن يكون بين طلبة العلم.

وإن مما يجب الانتباه إليه أنه لا يمكن أن يهجر المسلم أخاه بسبب المسائل الاجتهادية، إلا إذا كان هذا نوعًا من أنواع البغي والظلم، وإلا فالمسائل الاجتهادية لا تسوّغ هذا التهاجر، فإذا أردنا أن نجيد فن الائتلاف، فلنفقه الكتاب والسنة بفقه السلف الصالح، وفق السلف الصالح ليس جزءًا من كلام أهل العلم، إنما هي جمع بطريقة أهل العلم وشمولية منهجية أهل العلم.

والسلف إذا اجتمعوا على أمر لا ينبغي أن نخرج عن قولهم، وإذا اختلفوا ننظر كيف اختلفوا، وكيف تعاملوا مع الاختلاف؛ نتعامل مع بعضنا، كما تعاملوا هم، ومن لا يتبع منهج السلف في هذا فهو ليس على منهج السلف، وإذا كان السلف قد اختلفوا في مثل هذا ولم يفترقوا فكيف نختلف نحن ونفترق؟!! وهل نحن على منهج السلف في هذا؟! يجب أن تكون خلافاتنا منضبطة بقواعد السلف، فمنهج السلف منهج عظيم لو فقهناه لعرفناه حق معرفته.

وفي النهاية هذه كلامات سطرتها، أرجو من الله قبولها، ومن كان فيها من خير فهو بتوفيق الله تعالى، ومن كان من خطأ أو نسيان، فهو مني وأنا راجع عنه، وأسأل الله الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويمكّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

_________________

avatar
Eltyeb Elsadig
عضو مجلس الإدارة
عضو مجلس الإدارة

عدد المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 19/11/2011
الموقع : Alhasahisa

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى